نيرون مصر

"التاريخ يعيد نفسه".. جملة تمر مرور الكرام أمام أعين الناس خاصة الحكام منهم دون الوقوف أمامها، ربما يصموا آذانهم طوعًا أو يلهيهم الطمع "أملا"، لكن "فجأة" تقف الحياة وتتبدل الأدوار ويعود الناس لنقطة الصفر.. هكذا كان حال الحكام العرب قبل ديسمبر 2010 عندما اندلعت ثورة الياسمين بتونس، لتتبدل إلى ما لم يخطر ببالهم يومًا. فما حدث للرؤساء زين العابدين بن علي وحسني مبارك وعلي عبدالله صالح، ثم بشار الأسد، إنما يأتي تأكيدًا لقوله تعالى "كم تركوا من جنات وعيون.. وزروع ومقام كريم .. ونعمة كانوا فيها فاكهين..كذلك وأورثناها قوما آخرين"، فمن جنات ونعيم إلى انتظار حكم "الإعدام" أو الإقدام على "الانتحار" أو حتى يسعون لإحراق بلادهم كما فعل نيرون في روما من قبل.
مبارك ونيرون!وعلى رأس الذين ينتظرون ديكتاتور مصر السابق حسني مبارك الذي يتوقع أن يحاكم بعد غد الأربعاء في محاكمة ستكون الثانية لحاكم عربي في التاريخ الحديث، والأولى في التاريخ المصري، والسؤال الذي يطرح نفسه ليس حضوره أولى الجلسات أم لا؟ ولكن هل ستتم إدانته وبالتالي يواجه عقوبة الإعدام، أم سينجح رجاله في إخفاء الأدلة ويحصل على البراءة أو على أكثر تقدير بضع سنوات في السجن، أم ينتحر؟.فالطغاة في العالم هم ذات الطغاة سواء عاشوا قبل عشرات القرون أم هم في القرن الحادي والعشرين، نفس العقيدة الفكرية أو المرض النفسي والفكري الذي يصيب الطغاة سواء من أخبرنا عنهم القرآن الكريم كفرعون أم الذي أخبرنا عنهم التاريخ كـ "نيرون" امبراطور روما الذي أحرق بلاده ليعيد بناءها كما زعم، وهذا الأخير يتشابه إلى حد كبير مع ديكتاتور مصر الحديث حسني مبارك الذي أحرق الحرث والنسل في البلاد.وحتى الآن يتشابه مصيرهم معا، فنيرون انصرف عنه أصدقاءه بعد أن قامت ضد حكمه ثورة وفشل في إخمادها، تماما مثل مبارك، ولكن مبارك لم يهرب إلى كوخ أحد خدمه، ولكن هرب إلى القصر الذي شيده له صديقه في نهب البلاد حسين سالم، وفعل كما فعل نيرون ظل يبكي كثيرا على ما وصل إليه، ولكنه لم يلق باللوم على أمه كما فعل نيرون، ولكنه إلقاءه على زوجته سوزان ثابت وولده جمال الذي جلبا عليه اللعنة.فمبارك ينتظر محاكمته، أما نيرون فظل مختبئا حتى شعر بأصوات سنابك الجنود تحوم حول المكان فما كان منه إلا انه قرر أن يقتل نفسه، وبعد محاولات كثيرة فاشلة بسبب خوفه من الموت, قتل نفسه ومات الطاغية الذي أرهق روما بمجونه وجنونه، والسؤال، هل يسير مبارك على خطى نيرون خاصة بعد التشابه الكبير جدا في مصريهم، فمبارك أرهق مصر بفساده وفساد أولاده وحاشيته تماما مثل نيرون، الإجابة عن هذا السؤال ستكشف عنه الأيام القادمة.
بن علي وصالحوالطغاة سواء أكانوا عربا و عجما يتشابهون كثيرا، فبعد أن كانوا ملء السمع والبصر، يختفون هكذا ببساطة، فبجانب مبارك هناك نظيره التونسى زين العابدين بن على، الذي هرب إلى مدينة جدة، مع زوجته ليلى الطرابلسى التي لقبت بـ"ايملدا ماركوس العرب"، نسبة لزوجة ديكتاتور الفلبين الراحل فردناند ماركوس.ثالث الطغاة، كان على عبدالله صالح حاكم اليمن طيلة 33 عاما، والذي غادر للسعودية لتلقى العلاج من جراح نتجت عن محاولة اغتيال، نفذها أحد المقربين منه، كما تشير الكثير من الدلائل، ومنذ مغادرته بلاده أواخر الشهر الماضي، لم يظهر صالح سوى مرتين، فيما تتحرك الأحداث في اليمن نحو ترتيبات لا يكون فيها "صقر سبأ" كما كان الإعلام الرسمي يلقبه.رابع الطغاة من باكستان، الحاكم العسكري برويز مشرف الداعم الأهم لحرب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن "ضد الإرهاب"، حيث غادر إسلام آباد بدعوى ذهابه للحج في 2008، عقب موجة احتجاجات شعبية.خامس المستبدين هو جان كلود "بابى دوك" الذي ورث والده "بابا دوك" دوفالييه عام 1971، في حكم هاييتى أفقر دول الأمريكتين، ليهرب إلى فرنسا عقب ثورة شعبية في 1986، ليظل بعيدا عن الأنظار في فيلته الفارهة خارج مدينة كان على الريفييرا الفرنسية، إلا أنه عاد إلى وطنه بدعوى إعادة إعمار هاييتى التى ضربها واحد من أعنف الزلازل، وألقى القبض عليه بعدها، ليقدم إلى المحاكمة بتهمة الفساد.أما تشارلز تايلور، فهو مفجر الحرب الأهلية في ليبيريا والتي حكمها بعد ذلك منذ 1997 حتى 2003، لينقل صراعاته إلى ساحل العاج المجاورة حيث تورط في تجارة السلاح وتهريب الماس، والتجنيد القسري للأطفال، هرب إلى نيجيريا ليعيش في بذخ، فيما فازت زوجته جويل بعضوية مجلس الشيوخ في بلادها، لكنه سلم إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمته عن جرائمه في الحرب الأهلية العاجية.أما السيدة الوحيدة في هذه القائمة فكانت ايملدا ماركوس، ملكة جمال بلادها في الخمسينيات، وزوجة ديكتاتور الفلبين، الذي أطاحته ثورة شعبية العام 1986، لتهرب إلى هاواى، تاركة وراءها مجموعة من القصور الشاهدة على فساد حكم زوجها، مع 3 آلاف زوج من الأحذية باهظة الثمن.ويبقى السؤال الذي لم يجب عنه أحد لماذا لا يقرأ الطغاة التاريخ ولا يعتبرون؟ أم أنهم لا يعقلون؟.

ليست هناك تعليقات: